الخطيب الشربيني
268
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فكان ذلك من أعلام النبوة ، وعلم به من كان شاكا فضلا عن الموفقين وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي : المنافقون في وقت من الأوقات لَيُوَلُّنَّ أي : المنافقون ومن ينصرونه . وحقرهم بقوله تعالى : الْأَدْبارَ أي : ولقد قدر وجود نصرهم لولوا الأدبار منهزمين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي : يتجدّد لفريقيهم ، ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات . ولم يزل المنافقون واليهود في الذل . لَأَنْتُمْ أيها المؤمنون أَشَدُّ رَهْبَةً أي : خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي : اليهود ومن ينصرهم مِنَ اللَّهِ أي : لتأخير عذابه ، وأصل الرهبة والرهب : الخوف الشديد مع حزن واضطراب ، والمعنى : أنهم يرهبونكم ويخافون منكم أشد الخوف ، وأشد من رهبتهم من الله لما مرّ . ذلِكَ أي : الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف لرؤيتهم له ، وعدم خوفهم من الخالق على ما له من العظمة في ذاته ، ولكونه غنيا عنهم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ أي : على ما لهم من القوة لا يَفْقَهُونَ أي : لا يتجدّد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات ، فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أنّ الله تعالى هو الذي ينبغي أن يخشى لا غيره ، بل هم كالأنعام لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات . والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 14 إلى 24 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ أي : اليهود والمنافقون جَمِيعاً أي : قتالا تقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أي : ممتنعة بحفظ الدروب ، وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ أي : محيط بهم سواء كان بقرية أم بغيرها لشدّة خوفهم ، وقد أخرج هذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كالأسير ، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك فإنه لم يكن عن اجتماع أو يكون هذا خاصا ببني النضير في هذه الكرة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها وأمال الألف أبو عمرو ، والباقون بضم الجيم والدال بَأْسُهُمْ أي : حربهم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي : بعضهم فظ على بعض وعداوة بعضهم بعضا شديدة . وقيل : بأسهم بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد ، فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله تعالى : تَحْسَبُهُمْ أي : اليهود